
كله يتفرج علي عجائب الصناعات اليابانية ويريد أن يفهم.. أو أن يعرف سر هذه العظمة العلمية والصناعية.. ولكن اليابانيين يضحكون دائما ولا يقولون شيئا.. ويكون هذا السكوت دافعا قويا لأن يحاول العالم أن يفك طلاسم التقدم العلمي الباهر لشعب في المائة سنة الماضية..
فما هي المعجزة اليابانية؟
بالضبط: ماهذا الذي حققته اليابان أو المانيا الآسيوية؟
كيف أن شعبا بدأ تطوره وحركة تنويره معنا ـ نحن المصريين ـ ثم هو يتقدمنا وغيرنا من شعوب العالم مئات السنين.. كيف فعلها؟ ولايزال يتقدم الشعوب الأوروبية والأمريكية.. إن اليابانيين لايقولون شيئا, ولايعترضون علي أي شيء يقال عنهم..
يقال: إن المعجزة اليابانية: هي الصبر…
ويقال: إنها التماسك العائلي.. فالشركة أو المصنع هو عائلة يعيش فيها كل واحد ويموت ولايخرج منها ولايخرج عنها فالعامل الذي يعمل في إحدي الشركات, لم يحدث أن تركها أو فصلوه منها.. واذا حدث فإنه لايذهب مطلقا إلي شركة منافسة.. ولم يحدث أيضا أن قبلت شركة منافسة عاملا أو مهندسا كان يعمل في شركة أخري.. فهو ـ إذن- يولد ويعيش ويموت في شركة واحدة, هي التي تعلمه وتزوجه وتعالجه وتزوج أولاده وأحفاده..
ولايستطيع أي إنسان في العالم أن يكون له مثل هذا السلوك الياباني. ولايطيق أحد هذه التبعيه المطلقة لشركة أو لمصنع.. ولكنهم في اليابان يقبلون ذلك ولايرون غيره..
فهل هذا هو سر العظمة اليابانية؟ ماسر الشعب الذي مسح به الحلفاء الأرض وما تحت الأرض فقام جبارا قويا عنيفا.. أعظم وأروع من الروس والأمريكان والانجليز والفرنسيين الذين احتلوه وأهانوه وأذلوه!!
لقد اجتمع أربعة آلاف استاذ في علم النفس الاجتماعي والصناعي والتفتوا إلي الدنيا من حولهم واتخذوا قرارا.. القرار أن العالم كله يكره الشعب الياباني.. هذه حقيقة, يعجب بهم ولكن لايحبهم.. السؤال: لماذا يكرهنا العالم كله؟
هذه هي القضية التي التف حولها كل أساتذه علم النفس والاجتماع وخبراء الصناعة والزراعة والتجارة والاعلام..
والمطلوب هو معرفة: لماذا؟!
يتساءلون هل لهذه الكراهية مايبررها؟.. وهل يستطيع الشعب الياباني الذي أكد عبقريته في إبهار الناس وغزو الأسواق وخراب بيوت كثير من المصانع المنافسة لليابان.. هل هذا الشعب يستطيع أن يكون عبقريا في محبة الناس ـ أي في جعل الناس يحبونه؟
هل تستطيع اليابان أن تخلق لها حبا في العالم؟ هل يمكن( تخليق) الحب؟ هل يمكن تصنيع الحب لكل ماهو ياباني؟
وكم يتكلف الحب؟
أما الكراهية فقد كلفت الشعب الياباني عرقا ودموعا ودما وموتا مائة عام وزيادة.. فهل اليابان في حاجة إلي مائة سنة أخري لكي يكون حبها عالميا, كما أن الاعجاب بها عالمي أيضا؟!
***
فاليابان أرضه ضيقة وأهله كثيرون.. وليست في بلاد اليابان موارد طبيعية.. ربما كان ماء المحيطات, وقد استخرجوا منه السمك واللؤلؤ.. أما اللؤلؤ فقد اخترعوا له حلا سريعا لنموه.. فبدلا من أن ينتظروا قواقع اللؤلؤ تنمو فيها حبات اللؤلؤ سنة بعد سنة.. إلي خمس سنوات..فإنهم وضعوا في داخل محارة اللؤلؤ نوعا من الكرات الصغيرة المصنوعة من محارات أسماك أمريكية, هذه الحبات الصغيرة تؤلم حيوان اللؤلؤ فيفرز حولها المادة الفضية في سنة.. أو أقل.. وهذا هو اللؤلؤ المزروع.. وقد كنت أول عربي يري مزارع ومصانع اللؤلؤ سنة1959 في مدينة تويا.. وقد تطورت زراعة اللؤلؤ…
فهم الآن يتحكمون في حجمه وفي لونه.. ودرجة شفافيته.. ولايملك حيوان اللؤلؤ إلا أن يطيع.. وقد ابتكر هذه الطريقة البسيطة العبقرية رجل اسمه ميكو موتو.. وهو اسم أكبر محلات ومزارع اللؤلؤ في العالم..
أذكر أنني قابلت أحد أحفاده في طوكيو وأبديت إعجابا ساذجا بزراعة اللؤلؤ, فكان الحفيد ينحني ويتراجع ويشير بيده إلي الوراء.. ولم أفهم معني الانحناء مع الإشارة. أما الانحناء فهو الادب الياباني التقليدي.. في الشارع وفي البيت وأنت تتناول العشاء مع أي أحد.. اما الإشاره باليد فهي إلي تمثال مصنوع من حبات اللؤلؤ لجده السيد ميكو موتو..
وقد برع اليابانيون في كل شيء كما برعوا في زراعة اللؤلؤ.. أخذوا من أوروبا وأمريكا وطوروا وأضافوا وأبدعوا.. ونافسوا كل الدول التي سبقت اليابان في كل هذه الصناعات..
فالأمريكان ـ مثلا ـ اخترعوا الترانزستور, واليابانيون طوروه وجعلوا سعره أرخص ولانهاية لأشكاله وألوانه.. وقاموا بغزو شامل كاسح لكل أمريكا وأوروبا.. وكذلك التليفزيون والمسجلات والساعات والكاميرات والعدسات والسيارات.. والآن سفن الفضاء والصواريخ.. وأدوات التجميل والموضات وكل الأجهزة الطبية والالكترونية..
ولايزال علماء النفس يبحثون ويتساءلون: إن كان هذا هو السبب في كراهية الناس لهم.. أي كراهية الناس لمن يعيش معهم تحت نفس السماء وفي نفس المحيط وفجأة يسبق الجميع سرا ودون أن يدري أحد: كيف حدث ذلك؟!
فكيف كانت البداية؟
البداية كانت معنا.. فعندما كان رفاعة الطهطاوي ومن بعده علي مبارك يدرسان في فرنسا ويترجمان الدستور الفرنسي والنظريات الاجتماعية والسياسية, ويقارنان بين حضارة الاسلام وحضارة
المسيحية, وينقلان كل ذلك إلي مصر, وفي حالة انبهار ادبي وفكري, كان اليابانيون يرتادون أوروبا وأمريكا بحثا عن سر تقدم الغرب لكي يتقدموا مثل الغرب ويتقدموا علي الغرب أيضا.. لقد كانت ثورة..
والثورة اليابانية هي الثورة الوحيدة في تاريخ الإنسان في كل العصور التي قامت وتحققت دون إراقه دماء.. الثورة الفرنسية كان فيها إعدام واحراق ودم… والثورة الأمريكية عرفت الدماء والنار والدخان.. والثورة الروسية أعدمت عشرات الملايين.. إلا ثورة اليابان, فلا قطره دم واحدة.. ثم إنها ثورة بمعني الكلمة: تغيير جذري للنظر إلي الحياة, وأدوات الحياة… وتعديل نهائي في مسار علاقات الانتاج وتشكل الانتاج, وقفزة بعيدة جدا باليابان إلي بداية خط السباق مع الغرب وبمنتهي الجدية والتركيز الشديد والتضحية اللانهائية… كثير من العرق والدموع ولا نقطة دم واحدة!!
وقد بدأ كل شئ يتغير في اليابان من حادثة واحدة, فوجئ أبناء طوكيو بسفينة حربية كبيرة… السفينة نزل منها رجل طويل ابيض أحمر.. يرفع العلم الأمريكي ويريد أن يتحدث مع أي أحد مسئول… فلم يتحدث إليه أحد.. فهم لا يفهمون كيف جرؤ هذا الاجنبي علي أن يلوث المياه المقدسة لليابان… ولما لم يجد القائد الأمريكي أحدا غادر المياه اليابانية ليعود إليها بعد عام.. أي سنة1854 ولم تكن سفينة واحدة, وإنما أربع سفن وعلي ظهرها560 بحارا.. يريد مسئولا يتحدث إليه ويقدم إليه هذه اله
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ